محمود توفيق محمد سعد
232
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
المعلم السّابع . تأويل النظم في القصص القرآني قد جاء البيان القرآنيّ عن مراد اللّه سبحانه وتعالى من عباده مازجا بين سياقين : سياق تشريعيّ عماده الأمر والنّهي على اختلاف مسالكهما وصورهما وسياق تثقيفيّ عماده الترغيب والترهيب . ولا يكاد سياق منهما يتجرد من صحبة الآخر ، فهما قائمان معا ، وإن تباينت درجات ظهور أحدهما ولطف الآخر . والقصص القرآنيّ الكريم ضرب من ضروب التثقيف النفسيّ والقلبيّ ترغيبا وترهيبا ، تدرك البصائر النافذة في غوره فيضا من درجات التكليف بالمعاني الإحسانية لطائفة ارتقت في مسيرها إلى ربّها من الدرجة الدنيا من درجات الطاعة للّه عزّ وجلّ إلى درجة أعلى : ارتقت من سن " الذين آمنوا " إلى سنّ " المؤمنين " ومن فوقهم إلى شرف سنّ " المحسنين " الذين يعبدون اللّه سبحانه وتعالى كأنّهم يرونه رأي بصيرة . والقرآن الكريم يقرر منزل القصص ورسالته الجليلة في آيات عدّة كريمة : إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( آل عمران : 62 ) فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ( الأعراف : 176 ) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ( يوسف : 3 ) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( يوسف : 111 ) ونظرة متأنية في بيان هذه الآية الأخيرة التي تختم بها سورة " يوسف " القائمة بقصة تامة لم يتكرر مشهد من مشاهدها على غير ما هو السنة البيانية في القرآن الكريم للقصص القرآني تغريك بالتأمل في قوله عزّ وجلّ : عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ وكأنّ في هذا إشارة إلى أنّ العبور من الانشغال بظاهر الحدث المقصوص في ذلك القصص وما قام منه المشهد القصصيّ فيها إلى ما هو الغاية المنصوبة المساق لها هذا القصص إنما يكون من أولي الألباب ، الذين ينيط القرآن الكريم بهم